محمد بن جرير الطبري

59

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

وعدل بابى جعفر عن الطريق في الشق الأيسر فانيخ به ، ومحمد واقف قبالته ، ومعه طبيب له ، فلما ركب أبو جعفر وسار ، وعديله الربيع امر محمد الطبيب فمضى إلى موضع مناخ أبى جعفر ، فرأى نجوه ، فقال لمحمد : رايت نجو رجل لا تطول به الحياة ، فلما دخل مكة لم يلبث ان مات وسلم محمد . ذكر الخبر عن وفاه أبى جعفر المنصور وفيها شخص أبو جعفر من مدينه السلام ، متوجها إلى مكة ، وذلك في شوال ، فنزل - فيما ذكر - عند قصر عبدويه ، فانقض في مقامه هنالك كوكب ، لثلاث بقين من شوال بعد اضاءه الفجر ، فبقى اثره بينا إلى طلوع الشمس ، ثم مضى إلى الكوفة ، فنزل الرصافة ، ثم أهل منها بالحج والعمرة ، وساق معه الهدى وأشعره وقلده ، لأيام خلت من ذي القعدة . فلما سار منازل من الكوفة عرض له وجعه الذي توفى منه . واختلف في سبب الوجع الذي كانت منه وفاته ، فذكر عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي ، عن أبيه ، انه كان يقول : كان المنصور لا يستمرئ طعامه ، ويشكو من ذلك إلى المتطببين ويسألهم ان يتخذوا له الجوارشنات ، فكانوا يكرهون ذلك ويأمرونه ان يقل من الطعام ، ويخبرونه ان الجوارشنات تهضم في الحال ، وتحدث من العلة ما هو أشد منه عليه ، حتى قدم عليه طبيب من أطباء الهند ، فقال له كما قال له غيره ، فكان يتخذ له سفوفا جوارشنا يابسا ، فيه الافاويه والأدوية الحارة ، فكان يأخذه فيهضم طعامه فاحمده قال : فقال لي أبى : قال لي كثير من متطببى العراق : لا يموت والله أبو جعفر ابدا الا بالبطن ، قال : قلت له : وما علمك ؟ قال : هو يأخذ الجوارشن فيهضم طعامه ، ويخلق من زئير معدته في كل يوم شيئا ، وشحم مصارينه ، فيموت ببطنه وقال لي : اضرب لذلك مثلا ،